الاوقاف
مذكرة المجمع المقدس
عن مدى انطباق القانون رقم ١٥٢ لسنة ١٩٥٧
على الأوقاف القبطية الخيرية
مذكرة المجمع المقدس
عن مدى انطباق القانون رقم ١٥٢ لسنة ١٩٥٧
على الأوقاف القبطية الخيرية
المطبعة النموذجية
6سكة الشابورى بالحلمية الجديدة
بيان عن موضوعات هذه المذكرة
صفحة
(تمهيد)…………………………………………………….. 3
(1) شأن الرهبانية القبطية في مصر وفي العالم………………………. 5
(۲) نظام الأديرة القبطية……………………………………….. 7
(البحث القانوني)…………………………………………….. 8
عدم انطباق قانون استبدال الوقف على الأوقاف القبطية الخيرية الخاصة….. 8
(السبب الأول) عدم توافر حكمة التشريع بالنسبة الأوقاف المذكورة……… 9
(السبب الثاني) عدم انطباق نص القانون رقم ١٥٢ لسنة ١٩٥٧………. 11
على الأوقاف المذكورة ويؤيد ذلك:
(أولا) ما ورد في حجج هذه الأوقاف…………………………….. 12
(ثانيا) مراجع الفقه الإسلامي……………………………………. 14
(۱) کتاب قانون العدل والإنصاف…………………………….. 14
(2) شرح قانون الوقف للأستاذ محمد أحمد فرج السنهوري…………… 15
(۳) أحكام الأوقاف للأستاذ عبد الوهاب خلاف………………… 16
(٤) الفتاوى الهندية………………………………………… 17
(ثالثا) مذكرات الحكومة التفسيرية الخاصة لقانون الوقف……………… 18
(1) عن المادة ٤٧ من القانون ٤٨ لسنة ١٩٤٦…………………. 18
(۲) عن القانون ٢٤٧ لسنة ١٩٥٣ في شأن النظر على الوقف……… 23
النتيجة…………………………………………………… 24
(تمهيد)
۱ – بتاريخ ١٣ يوليه سنة ١٩٥٧ صدر قرار السيد رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١٥٢ الخاص بتنظيم استبدال الأراضي الزراعية الموقوفة على جهات البر العامة وقد نص في مادته الأولى على أن تستبدل خلال مدة أقصاها ثلاث سنوات الأراضي الزراعية الموقوفة على جهات البر العامة وذلك على دفعات وبالتدريج وبما يوازى الثلث سنويا وفقا لما يقرره مجلس الأوقاف الأعلى ، أو الهيئات التى تتولى شئون أوقاف غير المسلمين حسب الأحوال.
وما كنا نفكر بأن هذا القانون المفاجي. يهدف إلى توزيع الاراضي الزراعية الموقوفه على الجهات الخيرية للاقباط الارثوذكس مثل اوقاف رهبان الاديرة ، أو الكنائس القبطية أو البطريرك أو البطريركية، أو مطران جهة معينة وغيرها . ولكن ما ورد في آخر المادة الأولى جعلنا نشعر بأنه يجب على المجمع المقدس ( ورئيسه هو الناظر الاعلى للاوقاف القبطية واغلب اعضائه من النظار على الاوقاف أن يدلى الجهات الحكومة المختصة بوجهة نظره في مدى انطباق قانون الاستبدال على الاوقاف المذكورة لما تستهدف له الاديرة والكنائس القبطية وباقى الجهات الطائفية من أضرار واخطار لو نقذ عليها قانون الاستبدال. والمجمع كبير الأمل في أن يجد من عدل رجال حكومتنا وانصافهم ما يكفل الطمأنينة والاستقرار لهذه الجهات الطائفية الخيرية ، التي عاشت اجيالا طويلة واصبحت امام العالم تراثا خالدا المصر. فالا بقاء عليها أمر لازم لانها لا تبقى إذا قطع عنها شريان حياتها وهو اوقافها
٢ – وتمهيدا للبحث القانونى فى شأن اعتبار هذه الجهات الطائفية من قبيل جهات البر الخاصة لا العامة وفى مقدمتها اديرة الرهبان يقتضى الامر الالمام التام بالرهبانية فى مصر ونحمل ذلك في مسألتين وهما:-
(1) شأن الرهبانية القبطية في مصر وفي العالم
(۳) نظام الأديرة القبطية
(۱) شأن الرهبانية القبطية في مصر وفي العالم
3- الراهب من تبتل إلى الله ولم يتزوج واعتزل عن الأهل والناس في أحد الأديرة طلبا للتعبد. وهذا ما يسمى بالرهبانية وهى اختيارية لأنها نذر الله. وللرهبانية شروط لا يقبل فيها الا لمن استوفاها . لقد أسس أجدادنا الرهبانية القبطية في القرن الثالث الميلادي ولما جاء الإسلام في القرن السابع امتدحها القرآن الكريم في الآية الكريمة “ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون” فوصفهم بالتواضع وبمودتهم للمسلمين ، وكان هذا الوصف وما زال هو الواقع وسيدوم مادام للنصرانية والرهبانية أجل وكتاب.
4- مؤرخو العرب والأديرة
ولقد قامت الاديرة فى اكل زمان بواجبها كمضيفة لمن رغب في زيارتها من الملوك والخلفاء والأمراء والوزراء والعلماء ، ومدحها الشعراء في كل جيل ولا يحتمل المجال استشهادا بـأقوالهم. كذلك أشاد مؤرخو العرب بفضل الأديرة وكتبهم فياضة بذلك تذكر منها : كتاب الديارات (للشابشتي) ومعجم البلدان الياقوت الحموى) ومسالك الأبصار (للعمري) والخطط (للمقريزى) الذي أسهب في وصف اديرة مصر وتاريخ بطاركة القبط لا تصال حياتهم بها. وأخيرا الخطط التوفيقية (لعلي باشا مبارك) وغيرهم.
5- مؤرخو الأفرنج والأديرة القبطية
ولم تكن الرهبانية القبطية أقل شأنا في المحيط العالمي عنها في المحيط المصرى فقد جذبت إليها منذ نشأتها كثيرين من علماء الغرب فمالوا إليها وتغنوا بفضائلها واقتدوا بها ، فشيدوا اديرة للرهبان في الغرب على غرارها وجعلوا الاديرة القبطية مقصدهم فى رحلاتهم ووضع بعضهم مؤلفات عنها نذكر منهم العلماء كوبان ( ١٦٤٠ م ) و فانسليب ( ١٦٧٢ ) وسيكار (١٧١٦) و جرانچر ( ۱۷۳۰ ) و سافاری ( ۱۸۷۰ ) و براون ( ۱۷۹۲ ) وكاتر مير ( ۱۸۱۱ ) والعالم الالماني شو ينفرت ( ١٨٧٦ ) وجوليان ( ١٨٦٤ ) وبتلر ( ١٨٨٤ ) والسيدة بوتسر ( ۱۸۹۷ ) وكو جردان ( ۱۹۰۱ ) وغيرهم
هذا عدا ما ورد عن هذه الأديرة فى كتاب الحملة الفرنسية ( وصف مصر ) وكتاب (قديسو مصر) الشينو ، وكتاب (زيارات أديرة الشرق) لكرزون (وقاموس الآثار المسيحية) لكابرول (وآباء الصحراء) البريموند ( وآباء الصحراء) لروفان ( وأديرة مصر السفلي) لأميلينو
6- ولنذكر أيضا بعض حسنات أولئك الرهبان الذين اختيروا بطاركة من هذه الأديرة وسجلها لهم التاريخ فى صفحات من نور دالة على وطنيتهم
(1) ففي أيام كيرلس الرابع ( البطريرك ۱۱۰) وقع خلاف بين الحكومتين المصرية والحبشية بسبب تعيين الحدود بينهما فأوعز السلطان عبد المجيد إلى سعيد باشا والى مصر بأن يرجو البطريرك في التوسط لدى الحبشة لتسوية هذا الخلاف، وجهزت له الحكومة باخرة سافر عليها إلى الحبشة فخرج للقائه ملك الحبشة وأجاب جميع مطالبه وبذلك منع البطريرك وقوع حرب بين الدولتين
(۲) وفي أيام كيرلس الخامس (البطريرك ۱۱۲) عرض عليه بعض الإنجليز ضم الكنيستين القبطية والإنجليكانية مع عرض حمايتهم للاقباط فرفض هذا العرض بتاتا معتبرا ذلك خيانة وطنية . وهو أول من وقع على توكيل لسعد باشا زغلول بعد الحرب العالمية الأولى للسعى في طلب الاستقلال لمصر. ورفض أن يعطى توكيلا آخر لمن انشقوا على سعد باشا .
(۳) ولما كثرت دسائس الارساليات الأجنبية في الحبشة الهدم علاقة الكنيسة الحبشية بالكنيسة القبطية خشيت الحكومة المصرية النتائج فرحل البطريرك يؤانس ١٩ في سنة ۱۹۲۹ إلى الحبشة رغم تقدمه في العمر فاظهر جلالة الأمبرطور الحالى والشعب الأثيوبى من الولاء لغبطته ما قضى على جميع دسائس تلك الأرساليات
(٤) ولما غزت ايطاليا الحبشة سنة ١٩٣٥ ارغمت ايطاليا المطران القبطى على السفر لمقابلة الدوتشى ( موسيليني ) ونزل ضيفا على الحكومة وعرضوا عليه وعودا براقة لاستقلال الكنيسة الحبشية عن أمها الكنيسة القبطية فرفض كل وعد وكل وعيد معتبرا قبوله خيانة لوطنه وكنيسته
(5) وفي عهد الانبا يوساب البطريرك الراحل قامت حكومة الثورة فناصرها في جميع مراحلها وعمل هـو وجميع الشعب القبطى على ما يحقق أهدافها كما ساهمت الأديرة بنصيب مادى فيما أقتضت الحال المساهمة فيه
(6) ثم لنذكر أيضا جهود الآباء الكهنة مرشدى الشعب الذين عاونوا هؤلاء الرؤساء فيما قاموا به من خدمات
هذه صفحات خالدة لما قام به الرهبان المختارين من هذه الاديرة من مآثر شاهدة بصدق اخلاصهم للوطن وحكومته، فكيف يكون مصيرها ومصير الكنائس القبطية وغيرها من جهات الوقف إذا نفذ عليها قانون الإستبدال ووزعت اوقافها وهي مصدر حياتها وكيانها ، وإذا قيل أن قانون الاستبدال سيعطيها سندات ريعهاهر بدل الأطيان يرد على ذلك بأن هذه الفائدة لن تقوم بمصروفاتها ولوازمها فإن بعض الاديرة والكنائس القبطية تعيش الآن على الكفاف بسبب نقص إيرادها وزيادة مصروفاتها تبعا لزيادة تكاليف المعيشة
أن المجمع المقدس يتألم إذا رأى اديرة الرهبان المصرية وهي مصدر رهبانيات العالم غربا وشرقا تنهار بسبب العسر المادي. بل أن هذا لا يرضى حكومتنا العادلة
(۳) – نظام الأديرة القبطية
7- قلنا فيما سبق أنه يجب تمهيدا للبحث القانوني أن نلم بنظام هذه الأديرة ونجمل ذلك فيما يلى:-
وصف الدير
يوجد للأقباط الآن سبعة اديرة عامرة بالرهبان لكل دير منها اسم خاص و مکان خاص ورئيس خاص وأوقاف خاصة. وكل منها مستقل عن الباقي في ايراده و منصرفه ، وجميعها خاضعة للبطريرك أو القائم مقامه عند غيابه.
والدير عبارة عن حصن متسع محاط بسور عال بداخله عدة كنائس مخصصة لعبادة الرهبان ولكل راهب غرفة يقيم فيها والدير مضيفة لمن يؤذن له من البطريركية بزيارة الدير
8- ملخص نظام الدير
(1) لا يسمح لإنسان أن يدخل الدير إلا بإذن خاص.
(۲) لا يقيم في الدير غير الرهبان المقبولين نهائيا فيه ويسمح للمترددين من. طالبي الرهبانية بالاقامة المؤقته مدة اختبارهم. وتنتهى إما بقبولهم وإما باخراجهم لعدم صلاحيتهم .
(۳) يخضع الرهبان ورؤساؤهم لقوانين الكنيسة وقوانين الرهبانية
(٤) ليس الدير ملزما بقبول كل طالب فى الرهبانية ولكن ذلك موكول لتقدير رئيس الدير بحسب ما يراه من استعداد الطالب لها وتوافر الشروط الواردة في قانونها
(٥) محظور على الرهبان الاشتغال بالامور السياسية
9- ما أوجزناه من قيود خاصة بنظام الاديرة يدل دلالة قاطعة على أنها ليست. أما كن عامة مفتوحة للطالبين كالمدارس والمعاهد والمستشفيات والجهات الخيرية العامة . بل هى أماكن طائفية خاصة مقصورة على قبول الرهبان من طائفة الأقباط الأرثوذكس دون سواهم وإطعامهم والباسهم وتعليمهم وعلى ذلك تكون جهات بر خاصة وليست جهات بر عامة.
(البحث القانوني)
في عدم انطباق قانون استبدال الوقف
على الأوقاف القبطية الخيرية الخاصة
10 – يتناول هذا البحث اثبات عدم انطباق قانون استبدال الوقف رقم ١٥٢ لسنة ١٩٥٧ على أوقاف رهبان الاديرة أو أوقاف الكنائس القبطية وكذلك ما هو موقوف على البطريرك أو البطريركيه أو مطران جهة معينة أو غيرها لسببين:-
(الأول) أن حكمة التشريع التي قصدها قانون الإصلاح الزراعي وهي بذاتها المقصودة فى قانون تنظيم استبدال الوقف غير متوافرة بالنسبة للأوقاف المذكورة آنفا.
(الثاني) أن هذه الأوقاف ليست أحباسا على جهات البر العامة التي نص عليها قانون الاستبدال رقم ١٥٢ بل هي جهات بر خاصة.
(السبب الأول)
عدم توافر حكمة التشريع
11- عند ما صدر القانون رقم ۱۷۸ لسنة ١٩٥٣ الخاص بالإصلاح الزراعي استثنى في المادة الثانية منه الوقف. وأوضح في المذكرة الإيضاحية إنه استثناء موقوت بالفترة التي تنقضى حتى صدور التشريع الخاص. وقد صدر هذا التشريع الخاص بالوقف الخيرى فى سنة ١٩٥٧ بالقانون رقم ١٥٢ وواضحكل الوضوح من تأجيل سريان القانون رقم ۱۷۸ مؤقتا على الوقف ثم صدور القانون رقم ١٥٢ الخاص به أن قانون استبدال الوقف جاء موافقا لتشريع الإصلاح الزراعي في أمرين حكمة التشريع والتوزيع ودليل ذلك ايضا التورية الاحالة في ديباجة قانون الإستبدال على قانون الإصلاح الزراعي . إذن فللناقش هذه الحكمة لكى نرى هل هي متوافرة بالنسبة لأوقاف رهبان الأديرة أو الكنائس القبطية أو الموقوفة على البطريرك أو البطريركية أو على مطران أي جهة معينة بالذات؟
أما حكمة التشريع في قانون الاصلاح الزراعي فواضحة في مذكرته التفسيرية فمن الأسباب التي اعتمد المشرع عليها قوله “وكان لسوء توزيع الثروة الزراعية مساوى اجتماعية انتهت آثارها فى البلاد المتمدنة بانتهاء عهود الاقطاع على حين بقيت في بلادنا حتى وقتنا هذا ومن أسوأ الآثار استعباد طبقة قليلة العدد من كبار الملاك الجمهرة السكان من الفلاحين، وتوجيه سياسة البلاد العامة الوجهة التي تراها هذه القلة متمشية مع مصالحها مما لا يتفق في كثير ولا قليل مع مبادىء الديمقراطية”
ثم قالت المذكرة فى موضع آخر “أن قانون الإصلاح الزراعي يقضى على البون الشاسع بين الملاك والفوارق العميقة بين الطبقات ويزيل سببا هاما من أسباب القلق الاجتماعى والاضطراب السياسي”
۱۲ – (أما السبب الأول) المستفاد من حكمة التشريع الواردة في المذكرة التفسيرية وهو القضاء على عهد الإقطاعيين فغير متوافر فإن الأديرة وما سبق ذكره من جهات خيرية خاصة ليست باقطاعيين . وأن كل دير وإن كان مستقلا في حججه وملكيته عن الأديرة الأخرى . ( وبعضها يملك أكثر من مائتي فدان وبعضها يملك أقل) إلا أن ما تملكه الأديرة جميعه الا يصل إلى ثلث أو نصف. ما كان يملكه أحد الإقطاعيين فى مصر. وإن الفارق الكبير بين الدوائر والأديرة فالدوائر خلقت مركزا للنشاط الإقطاعي ، أما الأديرة فمركز للنشاط الروحي والفضيلة والعبادة وليس للاستعباد . وإن الفلاحين الذين يتعاملون مع هذه الأديرة يجدون من عطف رئيس الدير وحسن معاملته وتساهله ما يشعرهم بأنه كالمالكين سواء بسواء.
وكل ما قيل عن الأديرة في هذا الصدد ينطبق على أوقاف الكنائس القبطية أو البطريرك أو البطريركية أو مطران أية جهة معينة بالذات
(أما السبب الثاني) المستفاد من حكمة التشريع الواردة في المذكرة التفسيرية وهو منع توجيه سياسة البلاد العامة وفقا لمصالح هؤلاء الاقطاعبين ولا يتفق مع مبادى. الديمقراطية فغير متوافر أيضا بالنسبة لأديرة الرهبان أو الكنائس القبطية أو الأوقاف الخيرية التي ذكرت لأنه كما سبق القول في ( بند ۸ ) محظور على الرهبان الاشتغال بالسياسة فالراهب نذر نفسه للتعبد والصوم والصلاة وقراءة الكتب المقدسة ثم يعنى بالثقافة التي تؤهله لتولى المراكز الدينية إذا اختير لها وهذه جميعها بعيدة عن السياسة .
(أما السبب الثالث) المستفاد من حكمة التشريع وهو القضاء على الفوارق العميقة بين الطبقات فغير متوافر أيضا بالنسبة للاديرة أو الكنائس والاوقاف الأخرى المذكورة لأن الرهبان ومديرى الكنائس هم من طبقات الشعب ولقد حرم قانون الرهبانية على الراهب أن يتملك وكل ما يملكه حال حياته بعد ملكا لديره ما عدا ما يرثه عن أهله فيورثه لأهله أيضا وكذلك البطريرك والمطران فيسرى عليهما ما يسرى على الرهبان من تحريم التملك الخاص عدا الوراثة.
13- والخلاصة من كل ما سبق بيانه “أن حكمة التشريع التي قصد إليها قانون الإصلاح الزراعى وقانون استبدال الوقف الخيري لا تنطبق على حالة الأديرة أو الكنائس أو الأوقاف المذكورة وتكون روح القانونين الأول والثانى أى حكمة التشريع غير منطبقة على هذه الأوقاف .
(السبب الثاني)
عدم انطباق نص القانون ١٥٢ سنة ١٩٥٧ على الأوقاف المذكورة
١٤ – تنص المادة الاولى من القانون رقم ١٥٢ سنة ١٩٥٧ على أن « تستبدل خلال مدة أقصاها ثلاث سنوات الاراضى الزراعية الموقوفة على جهات البر العامة ، الخ فهل الأوقاف على رهبان الأديرة أو الكنائس القبطية و الوقف على البطريرك أو البطريركية أو مطران جهة معينة تعد من قبيل جهات البر العامة فيسرى عليها نص القانون أم هي جهات بر خاصة لا يسرى عليها القانون؟
نحن نقرر بأنها ليست جهات بر عامة ولا ينطبق عليها القانون بل هي جهات بر خاصة ويؤيد ذلك:
(أولا) ماورد في حجج هذه الأوقاف
(ثانيا) مراجع الفقه الإسلامي
(ثالثا) المذكرات التفسيرية التي اصدرتها الحكومة فيما يتصل بقانون الوقف
(اولًا) ما ورد في حجج هذه الأوقاف
١٥ – وقبل ان نذكر ما ورد فى بعض حجج الأوقاف المذكورة وخاصة حجج الأديرة توجه النظر إلى الأمور الآتية لأهميتها:
(1) إن لكل دير حججه الخاصة به وإن جميعها من عمل الرهبان رؤساء. الأديرة فرئيس الدير هو ناظر الوقف وهو القائم بإدارته فكان يشترى بفائض الربع (إذا وجد فائض) أرضا ويقفها ولم يقف الغير على الأديرة شيئا إلا النذر القليل فان أوقاف الأديرة منها وإليها.
(۲) إن وجود الأديرة في أماكن نائية وبعيدة عن العمران ومن يقصدها للزيارة والتبرك قد لا يمكنه العودة في اليوم ذاته لذلك خصص كل دير مضيفة للواردين والمترددين على الدير واعتاد الواقفون ومعظمهم كما قلنا من نظار هذه الأوقاف عند عمل وقفياتها أن يذكروا بأن الوقف يشمل الإنفاق على هذه المضيفة الخاصة بقولهم “وعلى الواردين والمترددين على الدير”.
(۳) انه حيثما يقصد ناظر الوقف توزيع جزء سنوى من الربع على جهات البر العامة كالمستشفيات أو المدارس يعين قيمته نقدا من الربع في الوقفية ذاتها دون أن يقف عليها أطيانا بالذات
الحجج القديمة
وباستقصاء ما ورد في بعض هذه الحجج نجد أن الغرض من الوقف موضوع بالاسلوب الآتى:
(برسم الفقراء والمساكين المقيمين بدير) (كذا) بجبل (كذا) بمديرية
(كذا) والواردين والمترددين عليه الخ . ويجب علينا أن نوجه النظر الى أن عبارة الفقراء والمساكين المقيمين بالدير مقصود بها رهبان الدير لأنهم كانوا يدعون أنفسهم دائما بالفقراء تنفيذا لنذرهم الفقر الاختياري الله ولكن ليس المقصود بها الفقراء بالمعنى العام بدليل قولهم (المقيمين بالأديرة) وليس بالدير تكية للفقراء ولا يقيم فيه غير رهبانه كما أوضحنا ذلك (في البند ۸) من هذه المذكرة
ومادام أن الوقف هو على رهبان ومضيفة دير طائفي معين فان مصرفه يكون جهة برخاصة. وليست جهة بر عامة، كما سيتضح ذلك من أقوال الفقهاء ومذكرات الحكومة التفسيرية.
١٦ – ويجب أن ننوه أيضا بأن معظم هذه الحجج لم تنص على التوقيت بل هي مطلقة الصيغة أو مؤبدة وأجماع الفقهاء على أن الصيغة المطلقة تجعل الوقف الخيرى مؤبدا مادام ان مصرفه لا ينقطع (شرح الأستاذ فرج السنهوري صفحة 82) وفي حالتنا أن الوقف على الرهبانية وغيرها مما ذكر قربة لا تنقطع لبقائها منذ سبعة عشر جيلا واستدامتها ان شاء الله
١٧ -كما يجب أن ننوه أنه بالنسبة للاوقاف القديمة كاوقاف الأديرة والكنائس وأوقاف البطريرك أو البطريركيه أو مطران جهة معينة يجب عند عدم وجود حجج لها اثبات الوقف ومصارفه مما جرى به تصرف نظاره من قديم فما دام الصرف جاريا على الرهبان والمضيفة وغيرها من قديم فيثبت الوقف بها على جهته . وفي ذلك يقول قدرى باشا فى كتاب قانون العدل والانصاف مادة ٥٢٦ فقرة ٢ الوقف إذا انقطع ثبوته واشتبهت مصارفه و جهلت شرائطه ولم يكن للصك وجود في سجلات القضاة ينظر الى المعهود من حاله في قديم الزمان وكيف كان قوامه يعملون وإلى من كانوا يصرفون ويعمل على ذلك
18- وما قيل في شأن الوقف على الأديرة ينطبق على أوقاف الكنائس القبطية التي لها حججها الخاصة بها وعلى أوقاف البطريرك أو البطر يركية أو مطران أية جهة معينة
(ثانيا) مراجع الفقه الإسلامي
(۱) کتاب قانون العدل والإنصاف
۱۹ – وضع المرحوم قدرى باشا في المادة ۲۷۰ من هذا الكتاب بيانا واضحا لجهات البر العامة استقاه من أهم كتب الفقة الإسلامي كالدر المختار ورد المختار والفتاوى الهنديه وكتاب الأسعاف في أحكام الأوقاف فقالت المادة ٢٧٠ من أعمال الخير (تقصد البر أو الخير العام)
بناء الخانات لأبناء السبيل – وبناء الدور بمكة لنزول الحجاج والرباطات والدور بالثغور للغزاة والمرابطين – وحفر الآبار – وبناء المدارس التعليم الطلبة وسكنى المجاورين – وإتخاذ السقايات سبيلا المستقى العطاش – وبناء الحياض لشرب الدواب – وعمل القناطر والجسور -وإتخاذ الطرق لتطرق المارة فيها ونحو ذلك من سبيل الخيرات. ووقف مستغلات لمصالحها وعمارتها ومرمتها التي تحتاج اليها . ومن اجل المبرات بناء المارستانات (المستشفيات) والشفخانات لتعالج فيها المرضى وذوو العاهات ووقف مستغلات عليها لينفق منها على ما تحتاج إليه المرضى من الأدوية وأجر الأطباء مع جعل آخره للفقراء
۲۰ – ونلاحظ في هذا البيان وجوب توافر النفع الإنساني العام في جهات البر العامة وهو شرط غير متوافر في أديرة الرهبان التي هي كما سبق به القول أماكن خاصة لا يسمح بدخولها حتى للزيارة الا باذن خاص من البطريركية مما يجعلها بعيدة عن النفع الإنسانى العام وبالتالي تعد من جهات البر الخاصة وكذلك لا يتوافر هذا الشرط فى الأنواع الأخرى من الأوقاف التي ذكرناها
(۲) شرح قانون الوقف للاستاذ محمد أحمد فرج السنهوري
۲۱ – جاء شرح هذا المؤلف مؤيدا لمبدأ وجوب توافر شرط النفع العام لكي يعد الموقوف عليه جهة برعامة فقال في صفحة ٣٢٥ “إذا عين الواقف جهة عامة من جهات البرتتناول أنواعا و أفراد ا كثيرين كالمساجد والمدارس والتعليم ودفن الموتى وحفر القبور والفقراء وفقراء طائفة معينة أو مدينة أو قطر معين فأن تعيين الجهة كما يكون بتسمية فرد معين يكون بتسمية جهة معينة تتناول أفرادا والمناط هو تعيين أى جهة كانت عامة كانت أو خاصة”
وقال في صفحة ۳۲٨ “وقد اهمل القانون نوعا من الأوقاف الخيرية كان أولى بعنايته وهو الوقف الخيرى الذي سمي فيه الواقف مصرفا خيريا عاما لا يمكن استيعاب أفراده والصرف عليهم جميعا كالوقف على الفقراء أو على فقراء طائفة معينة أو على المساجد أو المدارس باطلاق فانواع هذا الوقف أكثر انتشارا من الأنواع التي على بها القانون.”
۲۲ – ونلاحظ هنا أن المؤلف جعل معيار المصرف الخيري العام و عدم إمكان استيعاب أفراده والصرف عليهم جميعا . ويؤخذ من ذلك أنه لو امكن إستيعابهم وتحديدهم كما هي الحال في رهبان الأديرة (لأنهم مقيدون بالإسم) وكما هي الحال في الوقف على البطاركة أو البطريركية أو مطران جهة معينة فاستيعابهم ممكن وبذلك لا يعد الوقف عليهم برا عاما بل برا خاصا
كذلك اشترط المؤلف لكى بعد الوقف على المساجد أو المدارس برا عاما أن يتوافر الإطلاق فى الوقف عليهم . ويؤخذ من ذلك أنه حيثما يعين الواقف مسجدا أو مساجد معينة بالذات أو مدرسة أو مدارس معينة بالذات لا يكون الوقف على جهة بر عام بل على جهة بر خاص
وهذه القاعدة تنطبق على أوقاف الكنائس أو المدارس فإن أغلبها بل لا نغالى إذا قلنا جميعها موقوف على كل منها بالتعيين أي بذكر اسم الكنيسة أو المدرسة بالذات مما يجعلها جهة بر خاص.
(۳) كتاب أحكام الوقف للأستاذ عبد الوهاب خلاف
٢٣ – جعل هذا المؤلف أيضا النفع الإنسانى العام معيارا لاعتبار مصارف الوقف من جهات البر العامة وما عداها يعد من جهات البر الخاصة فقال في صفحة ٦٩ من كتابه المذكور طبعة سنة ١٩٤٨ “يصح الوقف من المسلم و من غير المسلم على المستشفيات وملاجيء العجزة واليتامى وأبناء السبيل والأسئلة والمدارس والفقراء من أية ملة ومن أي جنس وأمثال هذا مما هو نفع إنسانى عام وبر شامل لا يختلف في حكمه دين ودين لأن الإنفاق. في أي وجه من هذه الوجوه خير وقربة إلى الله في حكم الإسلام وفي سائر الأديان وفي اعتقاد المسلم وغير المسلم”
وكما سبق به القول لا يمكن التسليم بأن الوقف على رهبان الأديرة أو الكنائس القبطية أو ما ذكرناه من أنواع أخرى يتناول نفعا إنسانيا عاما أو هو مما لا يختلف في حكمه دين ودين. ولذلك يشترط المذهب الحنفي كما يقول المؤلف في صفحة ٦٩ من كتابه “أن يكون الوقف قربة في حكم الإسلام وفي اعتقاد الواقف معا فلا يصح إذا كان قربة من إحدهما دون الآخر”
(٤) الفتاوى الهندية
24- أورد كتاب الفتاوى الهندية وهو أغزر المراجع مادة في الفقه الإسلامي أمثلة على جهات البر الخاصة فى الجزء الثانى من الطبعة الأميرية ببولاق سنة ١٢٧٦ هجرية فقال في كتاب الوقف باب ٣
فصل ٤ – إذا وقف الواقف على فقراء فرابنه أو أيتام قرابته أو الصلحاء من فقراء قرابته ،(ونلاحظ أن هذا تخصيص لنوع خاص من الفقراء تدرج فيه الواقف من فقراء القرابة إلى الأيتام منهم فقط ثم إلى الصلحاء من فقراء القرابة)
فصل 5 – “إذا وقف الواقف على جيرانه يصرف إلى الجار الملاصق فقط يدخل في ذلك المسلم وغير المسلم” (ونلاحظ أنه تخصيص بالجيرة ينصرف إلى الجار الملاصق دون بقية الجيران)
فصل ۷ – وقف الواقف على مواليه أو مو الى غيره أو مماليك غيره أو على أمهات أولاده ومديراته ، (ونلاحظ انه تخصيص بعتقاء الواقف أو عبيد غيره أو أمهات أولاده من غير زوجاته أو مديرات بيته).
إن الضابط في كل هذه الأمثلة هو النفع الخاص لجهة معينة دون النفع العام. أي قصر الوقف على جهة خاصة ذكرها الواقف وهي حالة تطابق تماما حالة الوقف على رهبان الأديرة والكنائس القبطية والأوقاف الخيرية التي سبق ذكرها لأن الإستحقاق في كل منها ينصب على جهة خاصة معينة بالذات وملحوظ فيها المعنى الطائفي .
(ثالثا) – المذكرات التفسيرية لقانون الوقف
٢٥ – ونعتقد أن هذه المذكرات أوضحت – بما لا يدع مجالا للشك البر العام وبعض جهات البر الخاص بحسب ما يأتي:
(1) المذكرة التفسيرية للمادة ٤٧ من القانون ٤٨ سنة ١٩٤٦
٢٦ طبعت وزارة العدل سنة ١٩٥٣ قانون احكام الوقف رقم ٤٨ سنة ١٩٤٦ معلقا على مواده بالمذكرات التفسيرية والأعمال التحضيرية وقد جاء في صفحة ١٠٧ منها تعليقا على المادة ٤٧ الخاصة بالنظر على الوقف ما يأتي جاء في المذكرة التفسيرية عن هذه المادة :
(1) الأوقاف الخيرية بمثابة الأموال العامة للدولة لأن مصرفها جهات عامة لهذا رأى أن الصالح العام يقضى بأن وزارة الأوقاف تكون أحق بالنظر عليها إذا لم يكن النظر عليها للواقف أو لمن شرط الواقف النظر له عليها لأنها وزارة تتوافر لديها كل وسائل الاستغلال”
هذا ماجاء فى المذكرة التفسيرية وهى صريحة جدا في أن جهات البر العامة هي التي تكون أوقافها الخيرية عامة بمثابة الأموال العامة للدولة وبالتالى أن جهات البر العامة تتحدد بالاوقاف ذات النفع الانساني العام ينتفع بها الجميع كانتفاع الجميع باموال الدولة العامة
وإذا طبقنا هذا التفسير على أوقاف الأديرة والكنائس القبطية وما ذكر من الأوقاف الأخرى لوجدنا أن أوقافها ما دامت الجهة نفع طائفي خاص معين ولا ينتفع بها جميع الناس فلا تكون من الأوقاف الخيرية التي هي من نوع الأموال العامة للدولة وبالتالى لا تكون مصارفها جهات بر عامة
(۲) وتقول المذكرة التفسيرية في صفحة ١٠٨
“وقد جعل النظر لوزارة الأوقاف على الأوقاف الخيرية العامة سواء أكانت أوقافا مستقلة بذاتها أم أوقافا فيها بعض المرتبات الأهلية”…. إلى أن قالت، كما لا يكون لها النظر على الأوقاف الخاصة كا وقف على الفقراء من ذرية الواقف أو قرابته وعلى المضيفة التي تعد في القرى وفي بيوت الواقفين أو محل أقامتهم أو على القبور وما ماثل ذلك
ونعتقد أنه لا يوجد قول أصرح من هذا في تمييز الفارق بين الأوقاف الخاصة (ومصرفها جهات البر الخاصة ) وبين النوع الأول من الأوقاف الخيرية العامة (ومصرفها جهات بر عامة) فالامثلة التي أوردتها المذكرة واضحة كل الوضوح وناطقة بأن الأوقاف الخيرية الخاصة التي يجب أن لا يكون لوزارة الأوقاف حق النظر عليها هي التي جعلها الواقف على جهات بر خاصة كفقراء ذريته وفقراء قرابته ومضيفته التي أعدها في قريته أو بينه.
وهذا القول ينطبق على الأوقاف على رهبان الأديرة والكنائس القبطية وغيرها مما ذكرناه لأنه لا يتناول نفعا انسانيا عاما بل نفعا خاصا مقصورا على رهبان الدير المحدد بالذات وعلى مضيفته كالمثل الذي ضربته الحكومة سواء بسواء
(۳) ثم استمرت المذكرة التفسيرية تقول في صفحة ١٠٩ ما يلي:-
“كما أنه لا محل لجعل النظر على أوقاف غير المسلمين الخيرية لوزارة الأوقاف متى كانت تلك الأوقاف على جهاتهم الدينية أو على جهات خاصة بغير المسلمين . أما وقف غير المسلم على جهة خيرية عامة لم يلاحظ فيها المعنى الطائفي كالوقف على المستشفيات أو الملاجيء العامة أو المدارس العامة فمن المصلحة أن يكون النظر عليه لوزارة الأوقاف كما سبق بيانه”
ونعتقد أن ما أوردته الحكومة فى مذكرتها التفسيرية لقانون الوقف هو قول واضح صريح يغنى عن كل جدل في معرفة جهات البر الخاصة لغير المسلمين فقد وضعت لها قاعدة تحكمها فاعتبرت الأنواع الثلاثة الآتى ذكرها جهات بر طائفية خاصة لغير المسلمين وليس لوزارة الأوقاف حق النظر عليها وهي:
(1) أوقاف غير المسلمين على جهاتهم الدينية
(۲) أوقاف غير المسلمين على جهات خاصة بغير المسلمين
(۳) أوقاف غير المسلمين على جهة خيرية عامة ولكن لوحظ فيها المعنى الطائفي
هذه الأنواع الثلاثة كما هو واضح من تفسير الحكومة في مذكرتها لا تعد
من قبيل الوقف على جهة خيرية عامة ولا محل لنظر وزارة الأوقاف عليها. ومفهوم العند أن مصارفها جهات بر خاصة وليست جهات بر عامة
ويؤيد ذلك أيضا أن الحكومة أفصحت في مذكرتها بعد ذلك مباشرة عما يعد من جهات البر العامة بالنسبة لغير المسلمين بقولها “أما وقف غير المسلم على جهة خيرية عامة لم يلاحظ فيها المعنى الطائفي كالوقف على المستشفيات أو الملاجي العامة أو المدارس العامة فمن المصلحة أن يكون النظر عليه لوزارة الأوقاف كما سبق بيانه”
۲۷ – ولا جدال في أن الوقف على رهبان الاديرة أو على الكنائس القبطية أو الاوقاف الخيرية التي ذكرناها تدخل حتما تحت أنواع البر الخاص الثلاثة التي حددتها الحكومة في مذكرتها لانها من أوقاف غير المسلمين وعلى جهاتهم الدينية وملحوظ فيها المعنى الطائفي
۲۸ – ويؤيد هذا النظر ما أورده الأستاذ محمد أحمد فرج السنهوري شرحا على هذه المادة إذ يقول في ص ٨٦٧ من كتابه
“فإذا جعل غير المسلم غلة وقفه أو بعضها لإنشاء المعابد أو عمارتها أو لاقامة الشعائر فيها أو لعبادها والمترددين علها من الفقراء أو للتعليم في مدارس دينية غير اسلامية أو للتعليم في مدارس انشئت خاصة لطائفة غير مسلمة بعينها وأن كان التعليم فيها تعليمها غير ديني وكان يتعلم بها أبناء المسلمين أو العلاج المرضى من طائفة غير مسلمة أو لإنشاء مستشفيات تكون خاصة الطائفة غير مسلمة أو للانفاق عليها وإن كان يقبل للعلاج فيها مسلمون أو للفقراء من طائفة غير مسلمة أو لشيء آخر من هذا القبيل كان المصرف جهة غير اسلامية وإن كان قربة اسلامية لأنه أصطبغ بالصبغة الطائفية وروعي فيه أولا وبالذات طائفة غير مسلمة”
فهذا الإيضاح كاف في الدلالة على أنواع البر الطائفية وبالتالي التي تعد خاصة فلا يجوز النظر عليها لوزارة الأوقاف حتى ما كان منها مدرسة معينة نشأتها الطائفة للتعليم وفيها أبناء مسلمين فما دامت صنعتها طائفية فإنها جهة بر خاصة ، لأن الواقف لم يقصد الوقف على المدارس إطلاقا
وبعد ذلك ذكر المؤلف نواحي البر غير الطائفي وبالتالي جهات البر العام فقال:
“أما إذا جعل (أي غير المسلم) ذلك لانشاء المساجد أو عمارتها أو للفقراء مطلقا أو لفقراء المسلمين أو لطلبة المعاهد الدينيه الإسلامية أو للتعليم أو للطلبة في دور التعليم العامة التي ليست لها صبغة طائفيه، أو لانشاء المدارس أو المستشفيات أو الملاجيء العامة فإن المصرف لا يكون جهة غير إسلامية . فالمصرف إذا كان خاصا بالمسلمين أوكان مصرفا عاما أي لم يصطبغ بالصبغة الطائفية غير الاسلامية كان جهة اسلامية وأن كان الطائفة خاصة وإن اصطبغ بهذه الصبغة كان جهة غير إسلامية”
ونخرج من ذلك كله بنتيجة وهو أنه قياسا على تفسير الحكومة لقانون الوقف وعلى الشرح المتقدم لا تعتبر الأوقاف الخيريه على رهبان الاديرة أو على الكنائس القبطية أو على البطريرك أو البطريركية أو مطران جهة معينة أوقافا على جهات بر عامة بل جهات بر خاصة
(٢) القانون ٢٤٧ سنة ١٩٥٣ ومذكرته التفسيرية
29- صدر القانون رقم ٢٤٧ سنة ١٩٥٣ بشأن النظر على الاوقاف الخيريه وتعديل مصارفها على جهات البر ونصت الفقرة الثانية من المادة الثانية منه على إنه . اذا كان الوقف ضئيل القيمة أو الربع أو كان على جهة بر خاصة كدار الضيافة أو لفقراء الأسرة جاز لوزارة الأوقاف أن تنزل عنه الأحد أفراد أسرة الواقف ولا ينفذ النزول الا بتولية الناظر الجديد .
والذي يهمنا من هذا النص إنه أورد أمثلة على جهة البر الخاصة بدار الضيافه وفقراء الأسرة. وفى المذكرة الايضاحية للقانون تقول الحكومة “إن الغاية التي أجيز الوقف من أجلها أو حكمة التشريع هي التقرب الى الله تعالى بالصدقة المادية أو ما ينفع الناس”
30- والمستفاد من النص المتقدم ومن المذكرة التفسيرية صفحة ٦٤٦ و ٦٤٧ من النشرة التشريعة ( مايو سنة ١٩٥٣) أن الضابط في التفرقة بين جهات البر العامة وجهات البر الخاصة هي النفع الإنسانى العام والنفع الخاص فحينما كان النفع من الوقف عاما للناس جميعا ينتفعون منه على صلاح حالهم كان من قبيل جهات البر العامة، أما إذا كان النفع خاصا بفته معينه كفقراء الأسرة أو دار الضيافة وأمثالها فيعتبر من جهات البر الخاصة والحكومة في هذا التفسير تتمشى مع آراء الفقه الإسلامى التي استعرضناها في هذه المذكرة وهي تحديد جهة البر عامة أو خاصة تبعا للنفع الإنساني العام أو الخاص وأوردت الحكومة رأى الفقة المالكي المؤيد لذلك في قولها في المذكرة ذاتها ( وقال فقهاء المالكية إن كان الحبس في شأن منفعة عامة كقنطرة ومدرسة الخ)
وإذا طبقنا هذه القاعده على ما ذكرناه من أنواع الأوقاف القبطية يتضح لنا جليا أنها أحباس من قبيل النفع الخاص و تكون مصارفها جهات بر خاصة ، وليست جهات بر عامة.
النتيجة
والنتيجة من جميع ما سبق بيانه من حكم الشريعة الغراء وأقوال الفقهاء والشراح والمذكرات التفسيرية للقوانين وغير ذلك هي أن أنواع الأوقاف التي ذكرناها تعتبر أحباسا على جهات بر خاصة وليست على جهات بر عامة ولا ينطبق أو يسرى عليها نص القانون رقم ١٥٢ لسنة ١٩٥٧ الخاص بتنظيم الأراضي الزراعية الموقوفة على جهات البر العامة .
فإذا وجدت في حجة ما ، جهة بر عام بحسب ما أوضحناه فالقانون يسرى عليها
سكرتير المجمع المقدس رئيس المجمع المقدس
(القائمقام البطريرك)